 |
|
 |
|
|
|
سعد الركابي
على الرغم من ان اجواء الحملات الانتخابية وسعير
الاتهام قد طالت الممارسة الاحتفالية الاولى لعيد
المعلم فان المناسبة لم تخلو من تذكرة بمكانة ذلك
الانسان الذي يجدر بنا ان لا نغمطه حقه من الوفاء
له والاعتزاز به كجزء من الوفاء بدينه الكبير في
ذمة المجتمع باسره ..
لا نحتاج الى ان نعدد الماثور مما قيل في حق
المربي الفاضل الذي يغدق علينا من علمه او ابوته
لكن نحتاج الى حديث لا يخلو من صراحه ..
الصراحة تقول ان المعلم اليوم يعيش اسوا مراحل
التعليم في العراق في العصر الحديث ...والحديث ليس
مادي طبعا بل معنوي ..
فهيبة المعلم وسطوته وقدرته على التعبير عن الراي
بل في قدرته على التعامل مع طلبته وفق معايير
التربية الصحيحة مفقودة ومغيبة ..
الديمقراطية التي حرمت ضرب الطالب مثلا جعلت من
المعلم مثل من القي في اليم ثم قيل له اياك ان
تبتل بالماء ..
من السهولة بمكان الان ان يصبح المعلم مطلوبا من
قبل عشيرة كاملة لان ابنها رسب في صفه ...ويمكن
وبكل سهولة ان يتعرض اي معلم للتصفية الجسدية على
يد اي من العصابات لمجرد انه ابدى رايه في مسالة
او حتى حين يكون نائيا بنفسه عن كل شيء ..لمجرد
انه لا يريد ان يكون ضمن التيار السياسي او الديني
الذي يحكم تلك المنطقة ...
المعلمون اليوم ليس بوسعهم في بعض المناطق ان
يدرسوا المنهج الوزاري طالما ان فيه مالايعجب
القوم الحاكمون فيها ..
التكريم الحقيقي للمعلم هو باعادة الهيبة الى
المدرسة باعتبارها المؤسسة الاولى التي تربي
الانسان وتخلق عناصر القوة في المجتمع وباشعاره
انه قوي وقادر على ان يكون معلما حقيقيا في مجتمع
يحكمه الدستور وليس الاهواء والامزجة ..
في يوم المعلم يكون العيد الحقيقي حين تكون
المؤسسة التعليمية في البلاد قادرة على ان تفاخر
باجيال من الطلبة الذين تغذوا بالعلم من معلمين
يملكون الخبرات والمهارات للقيام بذلك عبر تاهيل
الاسرة التربوية وتزويدها بكل الامكانات
والخبرات..
العيد الحقيقي هو ان تكون مدارسنا جميلة مثل
معلمينا يعمرها الايمان بالوطن والابتعاد عن كل
المخاوف..والاهم من كل ذلك ان لاتسرق اعياده كما
سرقت كل ايامه في زحمة المناصب السياسية | | | |
|
ستون عاماً في مغامرة اللون: وجيه نحله وذهب
الريشة | |
|
ماجدة داغر
أن يرسم الفنان اللبناني وجيه نحله، أي أن يخطفنا
إلى أمكنة عُلويّة شاهقة الغبطة والإبهار، وبين
خطوطه لمعات وإشارات تَشي بكونٍ نورانيّ مكتمل
الأبعاد. إحتفاؤه باللون طقسٌ قدسيّ الممارسة،
وتسريح ضفائر الريشة صلاة دائمة التّلاوة، فاللون
والريشة يقودان الشغف الفائض فيه إلى البدء الآخر
حيث بحيرة الضوء، يغمّس فيها بعض الريشة وبعض
انتظاره للانعتاق الكبير. مع كل لون يمزج شيئاً من
روحه التائقة دوماً إلى السُّكنى في لوحة، ومع كلّ
خطّ يُخلَق كونٌ آخر تتوالد فيه فضاءات شديدة
الإيحاء.
معه تستحيل القماشة البيضاء المنتظِرة، رداءً
ملوّناً مصقولاً بخلجات تزيّن جسد اللوحة العاري،
إلاّ من لمسات تحنو عليها بخفر. لا يتعب من
استحضار سرّه الملوّن كلّما هَمّت يداه بالابتكار،
فَيستعير زرقةً من سماء، بياضاً من عمقها،
ليلكيّاً من سهَرِها، زهريّاً من غفوة ملائكتها،
وبعضاً من نور يحتفظ به في عُلَبه المخبّأة للسرّ
الكبير. يخلط، يمزج، يداعب، يغازل، يجنّ، يبتهل،
يعشق، يذوب ... ويصير اللوحة!
في مرسَمه- المحترَف في الرابية شمال بيروت، ألوان
كثيرة، رِياش من كل القياسات، مشاريع لوحات تنتظر
التوقيع، وأخرى مكتملة معلّقة مُستّفة متعانقة،
وفوضى الفنّانين الخلاّقة تعمّ المكان الحميم.
درجتان نزولاً فغرفةٌ صغيرة، جوائز وأوسمة
وميداليات وكؤوس: جائزة "بيينال" الاسكندرية 1968،
جائزة "غران باليه" باريس 1977، جائزة متحف "متروبوليتان"
نيويورك 1978، وسام الاستحقاق اللبناني للآداب
والفنون من رتبة ضابط 1980، وسام الاستحقاق
الفرنسي للآداب والفنون 1994، الميداليّة الذهبية
لفناني أوروبا والشرق الأقصى في متحف اللوفر باريس
2002، جائزة الإبداع الدولي لأندية "الليونز"
2006، وأخرى كثيرة مدموغة بتواريخ مختلفة من عواصم
العالم الفنّية، مرتّبة في خزائن زجاجية. بنهمٍ
ننظر إنما برقّة الحريص على بروتوكول التعارف مع
الكائنات الأنيقة التي تتخذ الجدران مسكناً لها،
فتعلّق عليها حياة وأحاسيس. لا يخلو جدار أو زاوية
من لوحة ومنحوتة وفنّ تزييني: أحصنة وجيه نحله
بكمال تناسقها، وصهيلها الذي يكاد يُسمع مع إيقاع
حوافر تسابق المدى. نساؤه- الراقصات في لولبيّة
الجسد والثوب وتوق إلى انعتاق وحرية، تعبيريّة
وانطباعيّة فتجريد وروحانيّة و"أورا" لكل لوحة
وكأنها هالة منفصلة- ملتحمة، مشكّلةً كائناً
ملوّناً فريداً. عرس ألوان حقيقي في أعمال نحله،
بناؤه تقنيّة اللون وقوامه انبهار الروح بسماوات
يخترقها بضربات فرشاته، فيغدو عالماً زاهياً
باحثاً عن مقاييس جديدة لا تقاس بأشكال هندسيّة
ولا يحدّها إطار وقماش. فتراها تعبر تلك الحدود
ممزّقة حُجُب الأبيض مُجتاحة قياساً حتميّاً
للوحة، غازيةً مناخات أخرى ملؤها الضوء ومقامات
الروح. جدار ذهبيّ الحفر والنّقر والتشكيل مع
ملامح من الفنّ الإسلامي والتراث العربي، إنها
الحروفيّة التي ميّزت أعمال هذا التشكيلي-
الإشكالي ووسمت فنّه ببصمة مختلفة.
لم يعد للحرف معه قواعد جامدة وقوالب جاهزة أو
خطوط مجرّدة جافّة، الحرف أمسى أقرب إلى التشكيل
الفنّي بل إلى أسلوب جمالي مبتكر، ابتدعه الفنان
بِمدّ ريشته إلى تراث الحرف وعراقته، لينهل منه
أصالةً مضيفاً إليها تقنية معصرنة فيها من
الخصوصية والحِرفية فنّ مكتمل الملامح حديث
الرؤية. ولكن أين وجيه نحله اليوم التجريدي الباحث
عن اللوحة- الفكرة أو الخيال الجامح نحو المطلق؟
وهل كانت الحروفيّة ومراحل فنّية سبقتها رحلة
باللون والذهب في انتظار الوصول إلى محطة "الأنا"
الفنيّة، أو بمعنى أقرب إلى حرية الريشة والحلم
وتجسيد الإحساس الفطري الناضج؟ يجيب: "في بداية
السبعينات، كان التشكيل الفنّي في العالم العربي
يشوبه الكثير من الجهل، وكانوا يظنون أن الفن هو
فقط في الكتابة أو الحروفية، حين كان يُمنع رسم
الإنسان. وبالتالي كان هناك عطش للأعمال
التشكيليّة الفنية. مجموعة من الفنانين القلائل
استغلوا هذا الحرف العربي في التشكيل المعاصر،
وكنت أنا أحدهم. كان البعض في العراق من اللامعين،
في مصر إثنان أو ثلاثة وفي لبنان كنت أنا وحدي.
هوجمتُ وقتذاك من النقّاد اللبنانيين وكانوا
يقولون إن لا قيمة فنية لهذه الأعمال، في حين كان
المناخ السائد متأثراً بالمدرستين الفرنسية
والأوروبية، وكان الفنانون اللبنانيون يدرسون في
أوروبا ويعودون برأس تجريدي. أنا لم أدرس هناك بل
نهلت من التراث العربي- الإسلامي، ومن الفن
البيزنطي في البداية، فصارت هذه مدرستي التي
اكتشفتها وطوّرتها، واشتهر هذا الأسلوب لأنه كان
جديداً". منه انتقل الفنان نحله إلى العالم العربي
في العام 1977 ثم إلى فرنسا وأميركا فالعالم. أما
اليوم فصار الحرف العربي في أعماله "بُعداً
واحداً، هو موجود بحسّ الحرف إنما من دون كتابة.
تحوّل من حرف إلى امرأة تطير أو حصان جامح، فصار
حركة وبُعداً روحيّاً أي فكرة ونور".
إنها النورانيّة النحليّة: الأسلوب المبتكَر الذي
تَسامى من التراثيات إلى الإسلاميات والحروفيات
والجداريّات النسيجيّة ليغدو خصوصيّة في التشكيل
اللبناني- العربي وصولاً إلى العالميّة. "المرحلة
الإسلامية انتهت، يقول، وكل تلك المراحل كانت
تجارب تخطّيتها لأصِل بعد ستين سنة من التأليف إلى
الخلق والإبداع، هذه المرحلة الأخيرة بحيث أضع
القماشة البيضاء وأغوص فيها للوصول إلى النشوة
الفنّية".
تزيّن لوحاته عدداً من المتاحف العالمية أهمها في
متحف الفاتيكان، كما نُشرت أبرزها مع نبذة عنه في
موسوعات فنيّة تشكيليّة في العالم. أما جدارياته
وأعمال إسلامية فتحتل قصوراً عدّة وقاعات شرقية
لاسيّما في الخليج، منها جداريّتان مذهّبتان بقياس
خمسة امتار في مركز دبي العالمي للتجارة، واثنتان
منسوجتان في مطارَي الملك عبد العزيز والملك خالد
في المملكة العربية السعودية، كما زُيّن قصر
المؤتمرات في الرياض بثماني جداريات لنحله نزولاً
عند طلب الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كذلك نُصب
ومنحوتات في ساحات ومدن عربيّة كساحة لبنان في أبو
ظبي. وجالت لوحاته عواصم العالم الفنية من بيروت
إلى باريس ونيويورك ولوس أنجلس وجنيف والبندقية
وكوالا لمبور وألمانيا والإمارات العربية والخليج
العربي وتونس، وغيرها من المعارض الخاصة
والعالمية. الناقد الفنّي الفرنسي الكبير الراحل
أندريه بارينو صاحب مجلّة "حديقة الإبداع الفنّي"،
وصف وجيه نحله بـ "أحد روّاد الرسالة في القرن
الواحد والعشرين"، ولكن أين هو نحله في أقلام
النقّاد العرب الذين وصفوا بعض أعماله بـ "الفن
التجاري" ويسمّي هو تلك المرحلة "فناً تزيينياً"؟
"كنتُ أرسم للآخرين وليس ما أريده أنا، أي اللوحة
التي تناسب لون أثاث الصالون وستائره. قررت أن
تكون هذه الحقبة من حياتي الفنية مكرّسة للاكتفاء
الذاتي، أصل بعدها إلى ما يناسب قناعاتي الفنية
ومزاجي وأحاسيسي. بدأَت مع بداية الحرب اللبنانية
حتى الثمانينات، كان أولادي الخمسة آنذاك في طور
دراستهم الجامعية، فاضطررت إلى الانزواء
والاستقالة من الوظيفة للتفرغ لإنتاج ما عُرف
حينها بالفن الإسلامي من جداريات ومنحوتات وفن
تزييني في سبيل اكتفاء ذاتي كنت أنشده". طاقة
هائلة تنضح من هذا الفنان المخضرم والغزير، الذي
تقطر من ريشته سنوات ستون من العمل الفني
المتواصل، ومساحات بيضاء كثيرة ممدّدة أمام سحر
ملامسته، في انتظار مغامرة اللون والضوء والعشق مع
فنان مقبل على الثامنة والسبعين، من دون أن يخفت
فيه نور ولا تذوي في حدائقه وردة. مخزون لا ينضب
وحيوية ساحرة يقودانه إلى إتمام رسالة تفيض من
وجهه وابتسامته وانفعالاته الهادئة، رؤى وأفكاراً
وفضاءات وعطاءات. "أخذت عهداً على نفسي أن أوقّع
عملاً كل يوم"، وهو من يُعرف عنه أنه من أسرع
الفنانين في العالم في إنجاز اللوحة، لاسيّما
المائيات التي يستغرق إتمام إحداها دقيقتين حدّاً
أقصى.
أعمالٌ لا مكان فيها سوى للصفاء اللامتناهي، يمتدّ
ملامساً أطيافاً هيوليّة تتفكّك بحنوّ لتغزو
مناخات وجيه نحله الشفيفة، في حركةٍ شبَحيّة لخطوط
مجنّحة وأشكال ذائبة في عمق اللون. فتُمسي
التموّجات المُختزِلة طبقات الكون، إطاراً
لمحسوسيّة عالية شبِقة الخيال. وتستحيل هذه
السّرابيّة المطليّة بدرجات لونيّة تائهة، إيقاعاً
يعبث بجمالية لا أفق لبهائها | | | |
|
روايات الطيب صالح وقصصه في مجلد راجع المؤلف
مسوداته بنفسه | |
|
محمد الحمامصي
في الذكرى السنوية الاولى لرحيل الروائي السوداني
الطيب صالح صدرت هذا الاسبوع في مجلد واحد أعماله
الروائية والقصصية التي قال الناشر ان المؤلف
راجعها في اخر زياراته لمصر قبيل رحيله في فبراير
شباط 2009.
وبعد تعدد طبعات أعمال صالح الابداعية يلمح (مركز
عبد الكريم ميرغني الثقافي) بأم درمان وهو ناشر
هذا المجلد الى أنه "الطبعة الشرعية" التي تخلو من
الاخطاء اذ قام المؤلف "في اخر رحلة استجمام
يقضيها بمصر التي أحبها.. بمراجعتها وتصحيح ما لحق
بها من أخطاء في طباعتها السابقة مؤتمنا صديقه"
محمود صالح رئيس المركز الذي أصبح "الجهة الوحيدة
المخول والمسموح لها بنشر أعمال كاتبنا (صالح)
الكاملة."
والمجلد الذي جاء تحت عنوان (الاعمال الكاملة..
الطيب صالح.. الروايات والقصص) سجل غلافه الاخير
أن هذه المجموعة الكاملة راجع صالح " بنفسه
مسوداتها وأشرف على متونها وأذن بصدورها" أما
الغلاف فصممه الشاعر السوداني الياس فتح الرحمن.
واقترن اسم صالح (1929-2009) في الذاكرة الادبية
العربية بروايته الاكثر شهرة (موسم الهجرة الى
الشمال) التي ترجمت لاكثر من 20 لغة وكان الناقد
المصري رجاء النقاش (1934- 2008) فتح الطريق أمام
مؤلفها حين أعاد نشرها عام 1966 في سلسلة (روايات
الهلال) وكتب عنها مقالا عنوانه (الطيب صالح..
عبقري الرواية العربية) وهو لقب صار لصيقا بصالح
كما صارت روايته أحد معالم الرواية العربية.
و(موسم الهجرة الى الشمال) من الروايات العربية
التي عالجت قضية تفاعل الثقافات وصدامها وعلاقة
الشرق بالغرب من خلال وجهة نظر بطل الرواية مصطفى
سعيد القادم من السودان للدراسة في لندن وكان
يتمتع بالذكاء لكنه يرغب في الانتقام بطريقته
الخاصة من الغرب الذي احتل بلاده. ويضم المجلد
روايات (موسم الهجرة الى الشمال) و(عرس الزين)
و(بندر شاه.. ضو البيت) و(بندر شاه.. مريود)
والمجموعة القصصية (دومة ود حامد) اضافة الى ست
قصص قصيرة. ويقع المجلد في 512 صفحة منها مقدمة في
30 صفحة كتبها الناقد السوداني ابراهيم القرشي
الذي قال ان مهمته صعبة وشبهها بالامتحان في ضوء
كثرة ما كتب عن المؤلف الذي تحلق أعماله في "فضاءات
الانسانية الرحبة" نافيا عن صالح تهمة الاقلال اذ
ان مقالاته "وهي تضاهي رواياته" جمعت في عشرة
مجلدات تضم أكثر من 2500 صفحة. ويقول ان
السودانيين "جميعا مدينون للطيب صالح اذ بأدبه
أصبحوا معروفين بين الامم" مسجلا أن روايتي (بندر
شاه.. ضو البيت) 1972 و(بندر شاه.. مريود) 1983
جزءان "لرواية حدثني الطيب أنه مهموم بكتابة الجزء
الثالث منها ولا أدري ما فعل الله به" اذ كان
مسكونا بالقراءة كارها للكتابة. ويضيف أن صالح كان
"صاحب رسالة سودانية.. صاحب رسالة افريقية.. صاحب
رسالة عربية... ولكن أصدق الاوصاف عليه أنه انسان | | | |
|
في رواية ليلــة واحـدة في دبي.. العــالم كلـه
يمر هنا | |
|
سلوى اللوباني
أين هو ضوء الشمس؟ سؤال طرحته ياسمين بطلة رواية
"ليلة واحدة في دبي" الرواية الجديدة للروائي هاني
نقشبندي الصادرة عن دار الساقي. تبدأ الرواية بهذا
السؤال بعد أن فتحت عينيها ياسمين في الساعة
الثامنة صباحاً واستدارت نحو النافذة تبحث عن ضوء
الشمس، لتكتشف بأن عمارة نبتت منذ البارحة فقط، في
ليلة واحدة أصبحت مائة طابق وما زالت تشق طريقها
للأعلى، لقد حجبت العمارة ضوء الشمس من الدخول إلى
حجرة نومها في ظرف ساعات.. في ليلة واحدة فقط كتب
على الشمس أن لا تزور الحجرة بعد اليوم!! وبعدها
بقليل تطرح ياسمين السؤال الثاني من هي أنا هذه؟
بعد أن اتصلت بالسوبرماركت وطلبت ما أرادت ولم
تستطع تذكر اسمها!! سألت نفسها من أنا وأين أكون؟
سؤال نسأله أحيانا جميعنا سواء كنا في دبي،
القاهرة، الرياض، نيويورك، دلهي كما ذكر الكاتب في
مقدمة روايته.. "دبي هي نيويورك، وهي دلهي، دبي هي
باريس، وهي القاهرة والرياض وبيروت..دبي هي كما
تريد أن تراها.. كما تريد أن تراها".
أربع وعشرون ساعة
مزج النقشبندي الواقع بالخيال في روايته الجديدة،
فكيف لعمارة من مائة طابق أن تظهر في ليلة واحدة
وكيف لشخص أن ينسى اسمه وما هي العلاقة أو الرابط
بينهما؟ لنبدأ بالهرولة مع أحداث روايته التي تبحث
في الهوية البشرية كما تهرول بطلتها ياسمين في
الجزء الأول المعنون ب "أربع وعشرون ساعة"..تهرول
بالقارئ من خلال ذاكرتها التي تستحضر ماضيها
وحاضرها ومن خلال الأمكنة التي تذهب اليها في
مدينة دبي الفتية مما يضفى جمالية على بناء
الرواية ومتعة للقارئ محاولة منها لتذكر اسمها أو
بحثها عمن يناديها باسمها لتتوقف عن الهرولة في
نهاية الجزء الأول فقد عرفت اسمها فقط من الحارس
الهندي "أفتاب"..حارس العمارة!!
عناق التصوف والعولمة..
في الجزء الثاني من الرواية حتى نهايتها يبدأ
الكاتب بإيقاظ عقل القارئ وعواطفه وخياله بنصه
وأسلوبه الذي تمثل باختياره أصفى العبارات بعيداً
عن التعقيدات من خلال الحوارات التي تدور بين
ياسمين والحارس الهندي أفتاب، نص يحمل في أعماقه
حالة من التصوف الديني والتسامح، يقرأ النفس
البشرية عبر موروثها الاجتماعي والديني في ظل عصر
العولمة، فلا يتوقف قلم الكاتب عن طرح الأسئلة
بإيقاع سريع وجميل مثل إيقاع مدينة دبي..أسئلة
يطرحها كل واحد منا بعد كل تجربة في حياته سواء
كان مغترباً أم داخل حدود وطنه. ولا ينفك الكاتب
بأسلوبه عن مزج القديم بالحديث من خلال هذه
الأسئلة وكأنها مواجهة بين عصر يتسرب من بين ثنايا
مشاعرنا وكلنا حنين له وعصر جديد وسريع.. وكيف
يمكن الجمع بين خصائص العصرين لنحافظ على الإنسان
في داخلنا..لنحافظ على الهوية البشرية التي
تجمعنا!! دارت الحوارات بين ياسمين وأفتاب حول كيف
يمكن أن تنبت عمارة من مائة طابق في ليلة واحدة
"العمارة التي ترينها ليست سوى أفكارنا التي
تتطور". ولماذا نسيت اسمها؟ ولماذا ذكرى سليم"
الشخصية الحاضرة الغائبة في بنيان الرواية"..لا
تزال قابعة في عقلها؟ وتجربة جديدة خائفة من خوضها
مع الشخصية الرابعة في الرواية وتحمل اسم "أنا"،
وحوارات تناولت الشعور بالوحدة، والخوف من الوقت
أو الزمن، الهرولة والضجيج "هرولتك تصنع ضجيجاً لن
تسمعي معه داخلك، كل المهرولين بشر محطمين".والحب
والفرص في الحياة " كل ما تحبينه يحبك، الحب يحيل
الجماد إلى كائن حي، نحن نندم على أشياء كثيرة في
حياتنا لو فكرنا لحظة سنجد أن أفضل ما فعلناه هو
ما فعلناه". والهوية البشرية "الحياة تهبنا الفرص
كي نستمتع بها، إحساسك بان الإنسان في داخلك
اختفى، الهوية هي حب الأشياء في داخلنا ومن
حولنا". وغيرها من الأمور. كانت ياسمين تستمع
باهتمام لما يقوله أفتاب وقد شعرت بمدى إختلافه عن
الآخرين منذ اللقاء الأول، فكأنها تراه في مرتبة
حكيم زهد الدنيا وخبرها، هي بحاجة إلى رجل مثله،
ولكن لا يعرف كثيرون قدره حتى هي نفسها لم تكن
تعرف وكثيراً ما تجاهلت إلقاء تحية عليه شأن
الآخرين. ياسمين وعامود النور | | | |
| ![]() |
![]() |
|
|